الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
151
نفحات الولاية
أجل فقد قبضه إليه قبض اختيار وكرامة « فقبضه إليه كريماً صلى الله عليه وآله » وقد ورث أمته ما ورثت الأنبياء من قبله أممها « وخلف فيكم ما خلفت الأنبياء في أممها » - فالأنبياء لم يتركوا أممهم من بعدهم سدى ، بل أضاءوا له معالم الطريق ونصبوا عليهم الحجج « إذ لم يتركوهم هملًا » « 1 » بغير طريق واضح ولا علم قائم » . من البداهة أن يكون مراد الإمام عليه السلام من هذه العبارة ما ورد في حديث الثقلين الذي تواترت الروايات بشأنه حيث قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « إنّي مخلف فيكم الثقلين : كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً وقد نبأني اللطيف الخبير إنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض » . « 2 » وبالطبع فانّ الإمام عليه السلام واصل حديثه في بحث جامع عن كتاب اللَّه ( القرآن الكريم ) إلّاأنّه لم يتطرق إلى العترة ، حيث تعرض بصورة مفصلة - كما سنشير لاحقاً - إلى العترة في عدّة خطب من نهج البلاغة . ولعل عبارته عليه السلام : « علم قائم » في آخر كلامه إشارة إلى الأوصياء . على كل حال فان حرص الأنبياء على أممهم لم يقتصر على حياتهم ، بل كانوا قلقين على مستقبلهم إلى حد يفوق قلق الوالد الشفيق حال احتضاره على ولده الصغير ؛ ومن هنا يتعذر تصور ترك الأنبياء لأممهم دون استخلافهم لأوصياءهم عليهم لكي لا تذهب مساعيهم في إرشاد الامّة وهدايتها أدراج الرياح . تأمّلان 1 - الأديان قبل البعثة البنوية لقد تضمنت عبارته عليه السلام إشارات مقتضبة عميقة المعنى بشأن أديان العرب وغير العرب في العصر الجاهلي وقبل البعثة النبوية . بحيث صرّح المؤرخون والمحققون بأنّ العرب وعلى غرار سائر الأقوام كانت تعيش عدّة أديان ومذاهب لا يحصى عددها إلى جانب الانحرافات والخرافات الجمة . وقد قال ابن أبي الحديد - الشارح المعروف لنهج البلاغة - بشأن أديان
--> ( 1 ) « هملًا » من مادة « همل » على وزن حمل بمعنى ترك الشيء إلى جانب اهماله وعدم الاهتمام به . ( 2 ) راجع كتاب « نفحات القرآن » المجلد التاسع للوقوف على أسناد حديث الثقلين وتواتره عند علماء الفريقين .